Page 141 - web
P. 141
مقالات وآراء
منشورات أو أفكار متشددة في حي ما ،ويتقبلها الناس على أنها الفرد بالمجتمع الأوسع ،وتمحى من ذاكرته القيم الجامعة ،ليبنى
«مجرد آراء مختلفة» .ثم ،مع الوقت ،قد تظهر تجمعات سرية أو داخله ولاء بدياًلا للجماعة الإرهابية ،ولأفكارها المنحرفة التي
أنشطة مشبوهة ويتم تجاهلها .هذا التطبيع التدريجي يجعل
المجتمع يفقد حساسيته تجاه الخطر ،وعندما يحين الوقت الذي تقدم له بوصفها الحقيقة الوحيدة الجديرة بالاتباع.
ينتقل فيه المتطرفون من مرحلة الدعوة الفكرية إلى مرحلة
العنف ،يكون المجتمع قد تأقلم مع وجودهم إلى درجة التواطؤ المجتمعي مع الإرهاب :مظاهر وأسباب
يصعب معها اتخاذ موقف حازم .وهذه السلبية المتراكمة تعد إن تواطؤ المجتمع مع الإرهاب لا يكون دائًًما صريًًحا أو
مقصوًًدا ،بل قد يتجلى في مظاهر غير مباشرة ،تنشأ عن الخوف
تواطًًؤا غير مباشر ،يسمح للتنظيمات المتطرفة بالتجذر. أو الجهل أو اللامبالاة ،وفيما يلي أبرز مظاهر التواطؤ المجتمعي
التي تغذي الإرهاب من حيث لا يشعر الناس ،مع تحليل لأسبابها:
ثقافة اللامبالاة والفردية
في بعض المجتمعات الحديثة ،تسود نزعة الفردية وتضعف الصمت والتغاضي عن الكراهية
الروابط الاجتماعية وروح الجماعة ،وحينئذ ،تصبح اللامبالاة تربة
السكوت عن الخطاب المتطرف أو التساهل مع العنف اللفظي
الموجه ضد فئة ما ،يعد شكلا من أشكال التواطؤ ،فعندما
يتداول بعض الأشخاص خطابات تحض على الكراهية أو تمجد
العنف ،ويقف المجتمع موقف المتفرج الصامت ،فإن هذا
الخطاب يتحول تدريجًًيا إلى أمر مألوف ،وربما مقبول ضمنًًيا ،ومع
مرور الوقت ،قد يتطور العنف اللفظي إلى عنف مادي مباشر.
غض الطرف عن المؤشرات المبكرة
كثيًًرا ما تسبق العمل الإرهابي مؤشرات تحذيرية في سلوك
الأفراد ،مثل تبني أفكار متطرفة ،أو العزلة المريبة ،أو التصرف
بعدائية تجاه المختلفين ،ويعد تجاهل الأسرة أو المدرسة أو
الجيران لهذه العلامات المبكرة نوًًعا من التواطؤ السلبي ،فبداًلا
من التدخل بالنصح أو إبلاغ الجهات المعنية ،يختار البعض
غض الطرف ،على أمل أن «الأمور ستنصلح من تلقاء نفسها»،
أو اعتقادا بأن شخصا آخر سيتحمل عبء المواجهة ،وهو ما
يسميه علماء النفس «تشتت المسؤولية» ،حيث يظن كل فرد
أن غيره سيتصرف ،وهو ما يبرر سلبية البعض برغبتهم في تجنب
المشاكل.
ويصف علم النفس المعرفي هذا الميل بأنه محاولة لتبرير
السلوك السلبي حفاً ًظا على الاستقرار الشخصي ،ولو على حساب
القيم الأخلاقية ،والنتيجة أن الشخص الذي تظهر عليه علامات
التطرف لا يجد من ينصحه أو يوجهه مبكًًرا ،فينغمس أكثر في
ذلك الطريق ،حتى يفاجئ المجتمع بفعله الإجرامي.
التطبيع التدريجي مع التطرف
من أخطر المظاهر أيًًضا اعتياد المجتمع تدريجًًيا على وجود
مظاهر التطرف في داخله ،فقد تبدأ جماعة متطرفة بنشر
140

